محمد حسين علي الصغير

203

المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم

الوجه من الاعتراضات التي أثيرت فيما مضى ، بالقياس لما يثار من قبل المشركين . لقد صرع موسى عليه السّلام آنفا بما صرع به محمد اليوم : فقال : إني رسول رب العالمين . وإذا بالقوم يستقبلون ذلك بما استقبل به المشركون محمدا فَلَمَّا جاءَهُمْ بِآياتِنا إِذا هُمْ مِنْها يَضْحَكُونَ ( 47 ) ، يمثلكم الضحك فجأة ، ويحدوهم الاستهزاء دون روية أو تنبه لآيات موسى ، فصبّ عليهم ربك سوط عذاب ، في تفصيل من الآيات المتتابعة التي تميّزت بكمالها وتمامها ، فكل آية منها مستقلة بدلالتها المتكاملة : وَما نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِها وَأَخَذْناهُمْ بِالْعَذابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ( 48 ) . وقد تمثل هذا العذاب بما أصابهم من آيات موسى البينات في السنين والدم والقمل والجراد وأضراب ذلك ، عسى أن يعودوا إلى الحق ، أو يثوبوا إلى الرشد ، ولكنهم مع هذه الامارات الناطقة بأصناف العقوبات - تأديبا لهم - قد لجوا بقولهم المحكي يا أَيُّهَا السَّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ بِما عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ . وقد يراد بهذا الخطاب التعظيم من جهة ، والسخرية من جهة أخرى ، وقد يتداخل الأمران فهم قد يصفون العلم والمعرفة بالسحر ، وهم قد يحاولون الغضّ من منزلة موسى بتسميته ساحرا دلالة على الغي والتمادي ، وقد يسرون حسدا في ارتضاء فيتشابه المراد ، وإن كان المعنى الأول مما تطمئن إليه النفس لأنهم في مقام الاستكانة والسؤال والطلب ، وهو مما يتناسب معه تعظيم المخاطب واللّه أعلم . ومع هذه الاستغاثة الملحة في درء البلاء ودفع العذاب الذي يفترض بعد تحقيقه أن يكون إمارة من أمارات النبوة ، ومعلما من معالم التصديق والاذعان والإنابة ، ولكنهم مع دعوى الالتزام بالثبات وتأكيد الهداية والايمان ، ينكثون العهد : فَلَمَّا كَشَفْنا عَنْهُمُ الْعَذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ ( 50 ) ، وفي ذلك صورة هزيلة بائسة للخداع والنفاق والرياء . وبإزاء أن لا يصدق الناس معجزات موسى عليه السّلام يقف فرعون - ببلاهة وخبث بوقت واحد - ليثير شبهة في نفوس العامة من الناس قالَ يا قَوْمِ أَ لَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهذِهِ الْأَنْهارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَ فَلا تُبْصِرُونَ . فموسى الذي يعد المؤمنين جنات تجري من تحتها الأنهار ، انطلاقا